وجوه الجحيم في فلسطين: شهادة عن جرائم الاحتلال الإسرائيلي
Published On 20/10/2025
عندما أرى صور الجثامين الفلسطينية المحروقة والمشوهة، نتيجة التعذيب أو الدعس بالدبابات الإسرائيلية، أشعر بأنني أرى وجوه الجحيم ذاتها.
تلك الصور، التي تسلمها إسرائيل للعائلات الفلسطينية وقد فقدت ملامحها الإنسانية، تكشف الحقيقة التي يحاول العالم تجاهلها: إن ما يجري في فلسطين ليس حربا عادية، بل هو استمرار لنظام عنصري استيطاني لا يؤمن إلا بالقوة والدمار والإذلال.
عندما أرى الأسرى الفلسطينيين الذين أطلقتهم إسرائيل بعد شهور أو سنوات من الاعتقال، أرى في وجوههم صمتا أكبر من الكلام: الأجساد هزيلة، والوجوه شاحبة، والعيون غائرة، والأطراف مبتورة
عندما ترى أجسادا بلا ملامح، محروقة بالكامل، أو أطرافا مبتورة جراء التعذيب في الزنازين، تدرك أن إسرائيل، التي تتحدث عن "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، تمارس في الواقع أبشع أشكال الفاشية الحديثة.
الصور التي تخرج من المشرحة أو من أيدي لجان تسلم الجثامين في الهلال الأحمر الفلسطيني ليست مجرد وثائق مأساوية، بل شهادات دامغة على أن آلة الاحتلال الإسرائيلي تجاوزت كل حدود الإنسانية.
هناك جثث أُعيدت بلا رؤوس، وأخرى فقدت أطرافها بسبب السحل أو الدهس بالدبابات! كثير من الجثامين وصلت وقد كُتبت على الأجساد آثار الحديد والنار، وكأن الاحتلال أراد أن يترك توقيعه الأخير على ضحاياه. في كل مرة تسلم فيها إسرائيل جثمان شهيد، تظن أنها تُغلق ملفا، لكنها في الحقيقة تفتح جرحا جديدا في ضمير البشرية.
وعندما أرى الأسرى الفلسطينيين الذين أطلقتهم إسرائيل بعد شهور أو سنوات من الاعتقال، أرى في وجوههم صمتا أكبر من الكلام: الأجساد هزيلة، والوجوه شاحبة، والعيون غائرة، والأطراف مبتورة.. هؤلاء ليسوا أسرى عادوا إلى بيوتهم، بل شهداء أحياء خرجوا من جحيم التعذيب الجسدي والنفسي.
عندما شاهدت الجثامين التي سلمتها المقاومة الفلسطينية في غزة -سواء من ضحايا الحرب أو من الأسرى الإسرائيليين- رأيت مشهدا مختلفا تماما! الجثامين سُلمت بكرامة واحترام، وفق القيم الإسلامية والإنسانية.. لم تُشوَه، ولم تُسحل، ولم تتعرض للإهانة
لقد شبهتُ سجون الاحتلال الإسرائيلي بالمعتقلات النازية، ولست أقول ذلك تشبيها أدبيا، بل عن تجربة شخصية. فقد اعتُقلت لفترة قصيرة (خمسة أيام فقط) في سجن النقب الصحراوي، بعد الهجوم على سفن "أسطول الصمود" إلى غزة واعتقال المشاركين بطريقة غير قانونية في المياه الدولية.
كانت خمسة أيام من الإذلال والحر القاتل والإهانات اليومية.. كنا في زنازين ضيقة، فيها حمام بلا ورق تواليت، وكنت من بين المضربين عن الطعام. في كل لحظة كنت أفكر في آلاف الأسرى الفلسطينيين الذين قضوا سنوات طويلة في هذا الجحيم ذاته، بلا أمل، بلا دواء، بلا محاكمة عادلة، وبعضهم بلا اسم. في تلك الأيام الخمسة أدركت أن السجن الإسرائيلي ليس مكانا للعقاب، بل هو مختبر لإذلال الإنسان وكسر إرادته.
سمعت قصصا عن التعرض للاغتصاب أثناء التحقيق، وعن أطفال حُرموا من النوم لأيام طويلة! تلك ليست حالات فردية، بل سياسة ممنهجة؛ فالاحتلال لا يكتفي باعتقال الجسد، بل يسعى لتدمير الروح.
وفي المقابل، عندما شاهدت الجثامين التي سلمتها المقاومة الفلسطينية في غزة -سواء من ضحايا الحرب أو من الأسرى الإسرائيليين- رأيت مشهدا مختلفا تماما! الجثامين سُلمت بكرامة واحترام، وفق القيم الإسلامية والإنسانية.. لم تُشوَه، ولم تُسحل، ولم تتعرض للإهانة. حتى في لحظة الغضب والانتقام، ظل الفلسطيني متمسكا بإنسانيته؛ هذا هو الفرق بين من يقاتل دفاعا عن أرضه وشعبه، وبين من يقتل بدافع التفوق العِرقي والاستعلاء الاستعماري.
في سجونها تمارس إسرائيل كل أشكال القمع: الحرمان من الزيارة، العزل الانفرادي، التعذيب بالكهرباء، الإهانة الدينية، الإذلال الجسدي، وحتى ترك الأسرى ليموتوا ببطء من الأمراض دون علاج
ورغم هذا التباين الأخلاقي الصارخ، لا نزال نسمع من واشنطن وتل أبيب أصوات التهديد والوعيد… ترامب والمجرم نتنياهو يواصلان الضغط على حماس لتسليم ما تبقى من الجثامين، وكأنها تُخفيها عمدا، بينما الواقع أن المقاومة ما زالت تبحث عنها تحت أنقاض آلاف المنازل التي دمرها القصف الإسرائيلي.
أي منطق هذا الذي يطالب الضحية بتسليم جثث القتلى، بينما الجرافات الإسرائيلية ما زالت تردم تحتها أجساد الفلسطينيين؟ أي نظام هذا الذي يدعي الدفاع عن "الإنسانية" وهو يدفن الأطفال أحياء تحت الركام؟
ما تفعله إسرائيل اليوم في غزة والضفة الغربية هو تكرار صارخ لجرائم الحرب التي ارتكبها النازيون قبل ثمانين عاما؛ فالاحتلال يفرض الحصار، ويمنع الغذاء والدواء، ويعاقب المدنيين جماعيا، ويستخدم التجويع سلاحا… هذا ليس "دفاعا عن النفس"، بل سياسة إبادة ممنهجة.
في سجونها تمارس إسرائيل كل أشكال القمع: الحرمان من الزيارة، العزل الانفرادي، التعذيب بالكهرباء، الإهانة الدينية، الإذلال الجسدي، وحتى ترك الأسرى ليموتوا ببطء من الأمراض دون علاج.
ومنذ عام 1967 وحتى اليوم، استُشهد أكثر من 250 أسيرا فلسطينيا نتيجة التعذيب أو الإهمال الطبي، وهذا الرقم وحده كافٍ لاتهام إسرائيل بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
يجب أن نواصل العمل بكل الوسائل الممكنة من أجل كسر الحصار عن غزة، وإعادة إعمارها، وإحياء الأمل في قلوب أبنائها، لأن الحياة الكريمة هي أبلغ أشكال المقاومة
لكن الأخطر من كل ذلك هو الصمت الدولي؛ فالعالم الذي أدان النازية قبل عقود، يغض الطرف اليوم عن النازية الجديدة، التي ترتدي بزة عسكرية إسرائيلية وتحمل سلاحا أميركيا، والأمم المتحدة تكتفي بـ"القلق"، وأوروبا تكتفي بـ"التنديد"، أما الولايات المتحدة فتمد الاحتلال بالمزيد من القنابل والغطاء السياسي! هكذا تحول القانون الدولي إلى أداة انتقائية تُستخدم ضد الضعفاء وتُعطَل أمام الأقوياء.
ورغم كل هذا، يبقى الفلسطينيون على أرضهم، يدفنون شهداءهم بكرامة، ويواصلون الحياة تحت القصف والحصار؛ يأكلون الخبز اليابس، لكنهم لا يبيعون كرامتهم… يبنون مدارس وسط الدمار، ويزرعون الأمل في قلوب الأطفال رغم أن السماء تمطر نارا.
الفلسطيني لا يبحث عن الموت، بل عن حياة حرة تليق بالإنسان. ولذلك، يجب أن نواصل العمل بكل الوسائل الممكنة من أجل كسر الحصار عن غزة، وإعادة إعمارها، وإحياء الأمل في قلوب أبنائها، لأن الحياة الكريمة هي أبلغ أشكال المقاومة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
