تحقيق صحافي نشرته مؤسسة /ذا نيو هيومانيتاريان/ السويسرية المسؤولة الأممية الأرفع في غزة متهمة بمساعدة «إسرائيل» على تجويـــــع غـــــزة واستخــــدام المساعـــــدات كســــــلاح
تحقيق صحافي نشرته مؤسسة /ذا نيو هيومانيتاريان/ السويسرية
المسؤولة الأممية الأرفع في غزة متهمة بمساعدة «إسرائيل» على تجويـــــع غـــــزة واستخــــدام المساعـــــدات كســــــلاح
«كانت سوزانا هي من قدّمت لهم الحزمة الكاملة: الصمت والامتثال.»
تحقيق صحافي من اعداد :
رايلي سباركس - صحفي كندي يغطّي قضايا الهجرة وحقوق الإنسان
يعقــــوب غولدبيرغ - محرر وعضو هيئة التحرير - قسم التحقيقات
قال عاملون في الإغاثة مشاركون في الاستجابة الإنسانية لـ «ذا نيو هيومانيترين» إن أعلى ممثلة للأمم المتحدة في غزة سعت، عمليًا، إلى تمكين إسرائيل من تحويل المساعدات إلى أداة حرب، ونفّرت زملاء فلسطينيين ودوليين، وأسهمت في جهودٍ إسرائيلية لزرع الانقسام بين العاملين الإنسانيين.
عُيّنت سوزانا تكاليك مطلع عام 2025 نائبةً لمنسق الشؤون الإنسانية للأرض الفلسطينية المحتلة-وهو أرفع منصب أممي مقره غزة-ويتضمن التفاوض باسم وكالات الأمم المتحدة والمجتمع الإنساني الأوسع مع السلطات الإسرائيلية بشأن الوصول.
تحدث أحد عشر من عاملي الإغاثة المشاركين حاليًا أو مؤخرًا في استجابة غزة-خمسة منهم في مناصب عليا-إلى «ذا نيو هيومانيترين» عن المسؤولة الأممية «تكاليك». وكانت هواجسهم متشابهة:
«سمحت للسلطات الإسرائيلية بالتلاعب بالاستجابة؛ أخفقت في التصدي للقيود المتزايدة؛ كرّرت بلا تمحيص سرديات إسرائيلية؛ وأساءت إلى زملاء فلسطينيين وأفراد من المجتمع المحلي، بما في ذلك إلقاء اللوم عليهم في نقص المساعدات».
وأثار تقريبًا جميع عاملي الإغاثة أيضًا مسألة مفاوضات تكاليك مع السلطات الإسرائيلية لإدخال طعام للكلاب إلى غزة للكلاب الضالة قرب بيت ضيافة أممي، وذلك في وقتٍ كان الفلسطينيون يموتون جوعًا بسبب رفض إسرائيل السماح بدخول الغذاء إلى القطاع.
قال أحد موظفي الأمم المتحدة: «إنها تهتم بالكلاب أكثر مما تهتم بالبشر هنا».
ووصف عامل إغاثة آخر مفاوضاتها بشأن طعام الكلاب بأنها تُظهر «انعدام حساسية عميقًا» تجاه الزملاء الفلسطينيين.
وقال عدة عاملين إن «تكاليك» تغيب عن غزة كثيرًا، بدرجة تفوق بكثير كبار موظفي الأمم المتحدة السابقين الذين نادرًا ما كانوا يغادرون القطاع. وأضافوا أن هذه الرحلات المنتظمة تُرهق موارد الأمم المتحدة المنهَكة أصلًا دون فائدة واضحة.
كما قال العاملون إن «تكاليك» :
همّشت الأونروا بشكل متزايد، وهي التي تسعى إسرائيل منذ زمن إلى القضاء عليها.
«يبدو أنها تابعة، أو تخدم المصالح الإسرائيلية، بطرق شتى»، قال مسؤول إغاثي كبير.
«إنهم يحبونها لأنها توفّر لهم شخصًا يتحدثون إليه لا يدفع بقوة في مواجهتهم، إن دفع أصلًا… شخصًا ينقل رسائلهم مباشرة إلى المجتمع الإنساني.
كانت سوزانا هي من قدمت لهم الحزمة الكاملة: الصمت والامتثال».
تحدث عاملو الإغاثة إلى ذا نيو هيومانيترين مشروطين بالسرية لتجنّب تبعات مهنية، ولأنهم لا يتحدثون رسميًا باسم مؤسساتهم. وقال عدد منهم إن لديهم تحفّظات على إثارة هذه القضايا علنًا، لكن تلك المخاوف تبددت أمام ما وصفوه بـالقلق الواسع من قيادة «تكاليك» للاستجابة الإنسانية في غزة في لحظة حرجة.
وفي بيانٍ خطّي ردًا على تساؤلات ذا نيو هيومانيترين، نازعت تكاليك في صحة كثير من الادعاءات حول قيادتها:
«مواقفي هي مواقف الأمم المتحدة، ودوري هو التمسك بمبادئ الأمم المتحدة»، قالت. «أولويتي الوحيدة هي إيصال المساعدات إلى الفلسطينيين-الذين فاقت معاناتهم خلال العامين الماضيين كل وصف-بأكثر الطرق كفاءةً وبراغماتيةً ومبدئيةً وأمانًا ممكنة. وطالما أنا في هذا الدور، سيبقى هذا تركيزي الوحيد».
«تم التلاعب بها من قِبل كوغات»
كوغات، هي إدارة الجيش الإسرائيلي المسؤولة عن التنسيق مع الجهات الإنسانية.
يمثل نائب منسق الشؤون الإنسانية (DHC) الأمم المتحدة في غزة بصفته أرفع مسؤول هناك، ويُشرف على الجهد الإنساني. كان النواب الثلاثة السابقون من كبار مسؤولي الأونروا.
وفي يناير/كانون الثاني حظرت إسرائيل الأونروا ومنعت منح التأشيرات لموظفيها الدوليين، ما استلزم استقدام تكاليك. وثُبّتت في المنصب بشكل دائم في مايو/أيار.
قال كل من تحدّث من عاملي الإغاثة إنهم قلقون من علاقة «تكاليك» مع «كوغات COGAT» وبحسب المسؤول الإغاثي الكبير، فقد «جرى التلاعب بتكاليك باستمرار من قِبل كوغات». وأضاف مسؤول أممي: «كلما فكرتُ في الأمر ازددت غثيانًا… إنني مشمئزّ من أنها لم تُزَح».
في أواخر أغسطس/آب، أعلنت إسرائيل خططًا لعملية كبرى ضد مدينة غزة المنكوبة بالمجاعة شمال القطاع. وحذّر وزير الدفاع من أن المدينة قد تُدمَّر إذا لم تُسلّم حماس سلاحها وتُطلق سراح الرهائن الذين احتجزتهم خلال هجمات أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وقبيل الهجوم- الذي هجّر الآن نحو 780 ألفًا، تفاوضت تكاليك على اتفاق مع السلطات الإسرائيلية للسماح بتوزيع خيام في جنوب غزة، على عشرات الكيلومترات من مدينة غزة، وفق ثلاثة من عاملي الإغاثة.
وقال هؤلاء إن :
الاتفاق فُهِم على نطاق واسع داخل المجتمع الإنساني بوصفه قبولًا بتهجير جماعي لما يُقدَّر بنحو مليون من سكان المدينة.
روى مسؤول أممي لـذا نيو هيومانيترين أنه سمع زميلًا يقول لتكاليك:
«لن أشارك في التطهير العِرقي لهؤلاء الناس».
وقال موظف أممي آخر:
«نضع خططًا لدعم الناس الذين ستتأثر حياتهم بالعمليات العسكرية، لا خططًا تُسهم في تلك العمليات».
دفعت أنباء الاتفاق بعض عاملي الإغاثة إلى رفع شكاوى إلى توم فليتشر، أكبر مسؤول إنساني أممي، وفق المسؤول الأممي ذاته.
«كلما فكرت في الأمر، ازددت غثيانًا… إنني مشمئزّ من أنها لم تُزح»، قال.
امتنع متحدث باسم أوتشا- الهيئة الأممية للطوارئ الإنسانية التي يقودها فليتشر- عن التعليق على قضايا الأفراد مراعاةً للاعتبارات الأمنية. وقال: «نقف خلف فريقنا على الأرض فيما يعملون في ظروف بالغة الصعوبة».
وقالت تكاليك ل «ـذا نيو هيومانيترين» إن خطة الاستعداد والاستجابة لمدينة غزة هدفت إلى «ضمان حماية المدنيين وتلقيهم المساعدات حيثما كانوا»، وإنها شملت تشاورًا مع قيادات مجتمعية وعشائرية فلسطينية والسلطات الصحية والمجتمع المدني.
وأضافت: «الإيحاء بأننا قبلنا أو سهّلنا التهجير القسري غير دقيق ويتناقض مع مناصرتنا وموقفنا الجماعي الذي أكّده فريق العمل الإنساني مرارًا».
وصف أربعة عاملين حادثة أخرى في أواخر مايو/أيار، حين تفاوضت تكاليك على إدخال شحنة طحين، أول مساعدة منذ فرضت إسرائيل حصارًا كاملًا على غزة مطلع مارس/آذار.
سابقًا، كان الطحين يوزَّع مباشرة على الأسر عبر الأونروا. لكن وفق اتفاق مايو، اقتصر التوزيع على المخابز-وهو تفصيل قالت عدة مصادر إن تكاليك لم تُفصح عنه كما يجب لموظفي الأمم المتحدة وقادة المجتمع الفلسطيني.
قال مسؤول أممي: «جرت مفاوضة خلف أبواب مغلقة بين مكتبها وكوغات، مع استبعاد أوتشا» التي أدت دورًا تنسيقيًا محوريًا في استجابة غزة قبل تهميشها من قبل تكاليك. وأضاف أن خطة «المخابز فقط» وُضعت دون إشراك المجتمع، لأن التشاور كان سيؤدي على الأرجح إلى رفضها.
وأشار قادة منظمات محلية ومجتمعية إلى أن الخطة:
«تنطوي على مخاطر أذى، وتتجاوز الوصول الكريم للغذاء، وقد تُفضي في النهاية إلى فشلٍ للأمم المتحدة». كما أن النموذج المركزي للتوزيع منح قدرًا إضافيًا من السيطرة للسلطات الإسرائيلية التي أصدرت أوامر إخلاء أجبرت جميع المخابز-باستثناء أربع يزوّدها برنامج الأغذية العالمي WFP على الإغلاق.
كانت المخابز الأربعة العاملة في دير البلح وسط غزة، ما يعني عدم وجود مخابز في شمال غزة حيث قُيّد الوصول إلى الغذاء باستمرار مع أوامر إخلاء للسكان.
وبعد دخول الطحين، أفادت جمعية أصحاب المخابز أنهم غير متأكدين من كيفية توزيع الخبز. وأبدى أصحاب مخابز قلقًا من أن المركزية ستُقيّد الوصول وتخلق فوضى.
دخلت الشاحنات يومين، وكان أفرادٌ من المجتمع يحمونها من النهب. لكن عندما اكتشف الجوعى أنهم لن يتسلموا طحينًا مباشرة وأن عليهم «الذهاب والقتال للحصول على الخبز لإطعام عائلاتهم»، انهارت الثقة وبدأ النهب، وفق موظف أممي.
وقال المسؤول الأممي إن القادة المجتمعيين «لم يعودوا قادرين، فيما أظن وبحسن نية، على نصح الناس بحماية الشحنات عندما علموا أن فرص حصولهم عليها ضئيلة».
وكما تخوفنا، تحولت الطوابير أمام المخابز إلى فوضى. وأُغلق أحد المخابز التي تسلمت طحين WFP في 21 مايو بعد يومٍ واحد؛ وأُغلقت بقية المخابز بحلول 25 مايو. ومع تحطم الآمال الضعيفة، تفاقم الوضع.
في 28 مايو، وبعد وقت قصير من انتهاء ترتيبات المخابز، اقتحمت حشود جائعة مستودع WFP في دير البلح بحثًا عن الطحين. سُحق أربعة أشخاص أو أُطلق عليهم النار حتى الموت، ودُمِّرت معدات أممية.
ومنذ ذلك الحين، اعترض المدنيون أو جماعات مسلحة معظم شحنات الطحين في الطريق إلى مستودعات الأمم المتحدة، بحسب أوتشا.
وفي الأيام التالية مباشرةً للسماح بإدخال شحنة الطحين إلى القطاع، شنّت القوات الإسرائيلية غارات جوية على مخبزين على الأقل وعلى شرطةٍ وأمنٍ مدنيين كانوا يؤمّنون قافلة طحين إلى مدينة غزة، ما أوقع نحو 100 قتيل وجريح. وتندرج هذه الضربات ضمن نمطٍ من الهجمات على طالبي المساعدات تنفّذه إسرائيل لدفع الناس إلى النزوح والسعي لتحقيق أهداف عسكرية أخرى.
قال عاملان إغاثيان إن تكاليك، في اجتماعاتٍ عُقدت بعد شحنات الطحين في مايو/أيار، ألقت باللوم على القادة المجتمعيين الفلسطينيين لفشلهم في منع النهب ولخلق ذريعة لإسرائيل لرفض التوزيع المباشر على الأسر.
قال موظف أممي:
«حمّلت الناس مسؤولية عدم تنفيذ التوزيع المنزلي، مع أن الإسرائيليين هم من حظروه منذ البداية».
وقالت تكاليك إنها دفعت باتجاه توزيع الطحين مباشرةً على الأسر خلال أشهرٍ من المفاوضات مع كوغات، التي سمحت في نهاية المطاف فقط بدخول الطحين لمدة خمسة أيام في مايو/أيار لتزويد المخابز.
وأضافت: «على الرغم من القيود، رأينا هذه النافذة ذات الأيام الخمسة كفرصة ضيقة لكنها حيوية لتخفيف معاناة الناس، مع مواصلة الضغط من أجل وصول إنساني أوسع، بما يشمل إدخال الوقود والصرف الصحي والإمدادات الصحية والمأوى، إلى جانب السلع التجارية».
وأشارت إلى أنه تم إبلاغ القادة المجتمعيين في مختلف أنحاء غزة بهذا الترتيب.
وقالت: «أرفض بشكل قاطع أي إيحاء بأنني ألقيت باللوم على الغزيين في النهب. موقفي دائمًا هو أنه لا ينبغي لأحد أن يواجه الأذى أو خطر الموت لمجرد محاولته إطعام عائلته».
«مطيعة وصامتة»
انتقد نوّاب المنسّقين السابقون ومسؤولون أمميون كبار الفظائع الإسرائيلية بشكل مباشر في بياناتٍ علنية رسمية. وأشار عدة عاملين إغاثيين إلى أن تكاليك لم تفعل الشيء نفسه.
وقال أحدهم :
إن نهجها في التعامل مع السلطات الإسرائيلية كان «مطيعًا» و«وَدودًا» و«خاضعًا».
وقال عدة أشخاص إن :
تكاليك تبدو مبالِغة في إبداء الاحترام والتقدير للسلطات الإسرائيلية، وتحتفي عندما تسمح نفس تلك السلطات بدخول كميات ضئيلة من الإمدادات إلى غزة بعد أن كانت قد منعتها.
قال موظف أممي: «جعلت الأمر يبدو وكأنهم رائعون لأنهم وافقوا على السماح بهذا».
واستذكر مسؤول أممي تحدّث إلى ذا نيو هيومانيترين قولها لزملاء عبارات من قبيل: «المفاوضات مع كوغات تسير بشكل جيد حقًا»، و «إنهم يحاولون بالفعل».
وقال المسؤول: «هذه هيئةٌ من هيئات الدولة التي ترتكب إبادة جماعية»، مضيفًا أن هذا النهج «المُمتثِل والصامت» لم يفشل فقط في معالجة قيود إسرائيل على المساعدات، بل يجعل الأمم المتحدة متواطئة أيضًا.
وقالت تكاليك إن «تعاملي مع كوغات كان دائمًا مبدئيًا وواضحًا ومتسقًا «والغرض الوحيد منه تأمين المساعدة للفلسطينيين المحتاجين في غزة».
بينما قال بعضُ العاملين الإنسانيين إنهم يعتقدون أن تكاليك كانت تؤمن حقًّا بأن استرضاء إسرائيل سيزيد من فرص الوصول إلى المساعدات، إلا أنهم قالوا إن هذا النهج مُضلِّل.
قال مسؤول إغاثي كبير:
«إنها تُكرِّر باستمرار على مسامع المجتمع الإنساني تطميناتٍ تلقتها من كوغات، لم يتحقق أيٌّ منها فعليًا».
وصف عاملان في الإغاثة اجتماعًا مع قادة منظمات دولية غير حكومية في أواخر أغسطس/آب، حيث عرضت تكاليك، إلى جانب رئيسها المباشر رامِز الأكبروف (منسّق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة)، صورة متفائلة عن جهود المساعدات في غزة. وقال العاملون إن هذا التصوير يتناقض تمامًا مع الواقع الذي كان يراه زملاؤهم على الأرض.
جاء الاجتماع قبل أيام من توصّل لجنة خبراء مدعومة من الأمم المتحدة إلى أن أكثر من نصف مليون شخص يعانون من المجاعة في مدينة غزة والمناطق المحيطة، مع ترجيح أن تكون الأوضاع سيئة بالقدر نفسه في أقصى شمال غزة، وأن باقي القطاع على بُعد أسابيع من الحالة ذاتها.
وبحسب وزارة الصحة في غزة، توفي ما لا يقل عن 185 شخصًا جوعًا في أغسطس/آب.
وردًّا على تكاليك والأكبروف خلال الاجتماع، عبّر قادة المنظمات الدولية غير الحكومية عن مخاوف بشأن الوضع الكارثي لوصول المساعدات من رفض السلطات الإسرائيلية إدخال الخيام وبنود المأوى الأخرى إلى غزة، إلى نقص صهاريج الوقود، والتوجّه لإلغاء تسجيل منظمات دولية غير حكومية تُعتبر غير ممتثلة للوائح إسرائيلية جديدة صارمة.
لكن بدلًا من معالجة هذه المخاوف، عدّدت تكاليك والأكبروف «كل ما يسير على ما يرام»، كما يتذكر أحدُ العاملين. وشملت تلك «النجاحات المحدودة» السماح بإدخال علفٍ للحيوانات.
وقد لجأ الناس في غزة من قبلُ إلى أكل علف الحيوانات نتيجة التجويع المفروض. ووفق الأمم المتحدة، لم يبقَ سوى 1.5% من الأراضي الزراعية في غزة متاحًا وغير متضرر. وحتى نوفمبر/تشرين الثاني 2024، قدّرت الأمم المتحدة أن 95% من الماشية الكبيرة قد نُفِّقَت، إلى جانب نصف الماعز والأغنام.
قال أحد العاملين: «كان الاجتماع كلّه فوضى».
وقال عدةُ عاملين إنه، في الجوهر، بدا أن تكاليك تقترح على المجتمع الإنساني القبول بأقلّ من القليل ممّا يحصلون عليه حاليًا من المسؤولين الإسرائيليين.
وقالت تكاليك إن مفاوضاتها «حقّقت مكاسب مهمة»، بما في ذلك زيادة إدخال الغذاء والوقود والكلور لتعقيم المياه، وإعادة فتح المعابر.
وأضافت: «هذه الخطوات بعيدةٌ عن أن تكون كافية، وسأواصل الدعوة إلى وصول مزيد من المساعدات بأمان إلى الناس، وإلى حماية المدنيين، استرشادًا بمبادئ الإنسانية والحياد والاستقلالية وعدم التحيّز».
غير أن العاملين في الإغاثة نازعوا تقييم تكاليك للتقدّم المُحرَز. كما تُظهِر تقاريرُ الأمم المتحدة صورةً أكثر تعقيدًا وقتامة.
فقد أنهت السلطات الإسرائيلية حصارًا تامًّا على المساعدات دام قرابة ثلاثة أشهر في أواخر مايو/أيار-خلال فترة تكاليك- لكن فقط بعد تحذير تقريرٍ مدعوم من الأمم المتحدة من مجاعة وشيكة، وعلى وقع صور يومية لأطفال يتضوّرون جوعًا.
وتزامن نهاية الحصار مع تفاقم الحرمان والجوع في الشمال، حيث لم تدخل تقريبًا أي مساعدات إنسانية منذ أن أغلقت السلطات الإسرائيلية آخر معبر وبدأت هجومًا على مدينة غزة منتصف سبتمبر/أيلول. وبنهاية سبتمبر/أيلول، لم يبقَ سوى ثمانية مطابخ مجتمعية في الشمال تعمل، وتقدّم طعامًا أقل بنسبة 70% مما كان عليه في الشهر السابق؛ وأُغلِقت معظم المخابز وانتقلت إلى الجنوب.
وعلى امتداد غزة، تكاد الخضروات واللحوم والألبان تكون غير متوفرة. ومنذ إعلان المجاعة في مدينة غزة في 22 أغسطس/آب، توفي 175 شخصًا جوعًا في القطاع. ونادرًا ما تصل القوافل إلى وجهاتها دون أن تتعرض للنهب من قبل جائعين أو عصابات مسلحة.
ووفق برنامج الأغذية العالمي، ارتفع متوسط الوجبات اليومية من وجبة إلى قرابة وجبتين بين يوليو/تموز وسبتمبر/أيلول. لكن كمية الحمولة التي تلتقطها وكالات الإغاثة هبطت بنحو 60% في النصف الثاني من سبتمبر/أيلول، بحسب أوتشا.
وقالت أوتشا إن «خطوط الإمداد إلى قطاع غزة-وخاصةً إلى مدينة غزة المنكوبة بالمجاعة-غير قابلة للتنبؤ»، مشيرةً إلى سلسلة إغلاقات للمعابر من جانب إسرائيل.
وفي أوائل سبتمبر/أيلول، أفادت أوتشا بأن نقص الكلور يسهم في «طفرة في إصابات الإسهال»، مكوِّنًا أكثر من ثلث الأمراض المُبلَّغ عنها في غزة.
وسمحت إسرائيل بدخول قَدْرٍ ضئيل من الوقود منذ يوليو/تموز «جزء يسير مما يلزم لتشغيل الخدمات الحيوية المُنقِذة للحياة»، وفق فليتشر، رئيس أوتشا.
ومع اقتراب انهيار خدمات كثيرة، قال المسؤول الإغاثي الكبير إن مزاعم تكاليك عن «مكاسب كبيرة» هي «مثال على كيف تُخفَّف الضغوط على كوغات عبر هذا النوع من التعاطي».
غيابات متكررة
قال عدةُ عاملين أيضًا إن مكتبي تكاليك والأكبروف يرفضان باستمرار تقديم ملخصات مكتوبة لاجتماعاتهما مع كوغات، ما يترك وكالات الإغاثة مُفاجَأة باتفاقات عُقدت من دون علمها.
تقول تكاليك: «يُتَشارَك نطاق واسع من المعلومات من اجتماعاتي مع كوغات».
وفي الوقت نفسه، قال أكثر من عامل إنهم قلقون من أن تكاليك لا تنقل معلومات دقيقة أو مكتملة بين الميدان والقيادة العليا. وقال أحدهم إنه بات يتواصل مع موظفين أمميين آخرين لإعادة التحقق من المعلومات الواردة من مكتب نائب المنسّق «لأنني لا أعتقد أنها تنقل الرسالة الصحيحة».
وأثار عدةُ عاملين مخاوف بشأن رحلات تكاليك المتكررة خارج غزة للقاء السلطات الإسرائيلية وجهًا لوجه.
فمغادرة غزة تتطلب تنسيقًا وترتيبات أمنية واسعة، فضلًا عن مركبات مصفّحة وفرق أممية، بما في ذلك قادة قوافل مدرَّبين- وكلّ ذلك نادر ويُحتاج إليه لتحريك الإمدادات وتنفيذ مهام داخل غزة.
كما أن غياب تكاليك يُرسل رسالةً سلبية للعاملين الإنسانيين في غزة.
قال أحد العاملين:
«وجود قيادة أممية داخل غزة أمرٌ له معنى… يُطمئن الجهات الإنسانية الأخرى بأن القيادة هنا، وأن غزة ليست في أقصى الدنيا».
«ولفهم سياق غزة، عليك أن تعيشه»، أضاف. «أما أن تأتي بضعة أسابيع ثم تذهب لاجتماع آخر مع كوغات، فهذا لا يُسعِف».
وقالت تكاليك إنها «لم تغادر غزة إلا ضمن حركات الموظفين الدورية، وبناءً على طلب قيادتي، أو لاستحقاقات الدور، بما في ذلك خلال مفاوضات وقف إطلاق النار».
«الاستجابة باتت أكثر تشرذمًا»
قال من تحدّثوا إلى ذا نيو هيومانيترين إن قيادة تكاليك شجّعت مقاربةً أكثر انقسامًا، حيث بدأت وكالاتٌ فردية تُفاوض مباشرةً مع المسؤولين الإسرائيليين-وهو تمامًا ما سعت إليه السلطات الإسرائيلية منذ بداية الحملة على غزة.
قال عاملٌ:
«لم تُنجز سوى مزيدٍ من تفتيت قيادة الأمم المتحدة».
وقال عدةُ عاملين إن بعض وكالات الأمم المتحدة باتت «تفعل أمورها بنفسها» تحاول إبرام صفقات خاصة مع المسؤولين الإسرائيليين لإدخال عناصر حيوية مثل الوقود.
كما أن قيادة تكاليك استبعدت الأونروا بصورة متزايدة من عمليات الأمم المتحدة في غزة، مُقصيةً موظفيها عن اجتماعات رئيسية، ومؤيدةً لتوزيع بعض مسؤولياتها على وكالات أخرى، بحسب عدة عاملين. وقال أحدهم:
«إنها تتجنب الأونروا كأنها لم تعد موجودة».
وامتنع متحدثٌ باسم الأونروا عن التعليق.
وكان إقصاء الأونروا هدفًا سياسيًا قديمًا لمسؤولين إسرائيليين يرونها رمزًا مركزيًا للقضية الفلسطينية. وإلى جانب قتل أكثر من 300 من موظفيها، سعت إسرائيل إلى قطع تمويلها الدولي وفصلها عن بقية المنظومة الإنسانية عبر اتهامات مشكوك فيها بصلاتٍ مع جماعات فلسطينية مسلحة.
وقال موظف أممي وآخر من العاملين إن تكاليك فضّلت برنامج الأغذية العالمي في توزيع الغذاء وهمّشت الأونروا مع أن «كل طبقةٍ من هذا المجتمع تطلب الأونروا وتريدها المسؤولة عن التوزيع».
وعلى مدى العامين الماضيين، استخدم موظفو الأونروا المحليون نظام التسجيل الواسع والبنية التحتية الضخمة للتوزيع بما فيها العيادات والمدارس التي تحوّلت إلى ملاجئ لمواصلة إيصال المساعدات للناس في غزة.
علنًا، حاولت وكالات أممية أخرى الحفاظ على جبهة موحّدة لدعم الأونروا في مواجهة هجمات عسكرية وبيروقراطية متواصلة من إسرائيل. وقال العاملون مرارًا، بما في ذلك ل «ذا نيو هيومانيترين»، إن الرضوخ لذلك الضغط سيُتيح لطرفٍ في النزاع استخدام الإغاثة أداةً سياسية، ويُقلّص الاستجابة الإنسانية إلى حدّها الأدنى: تسليم الطعام فقط.
ويبدو أن القادة الإسرائيليين يفضّلون أن يتولى برنامج الأغذية العالمي توزيع الغذاء. ففي أغسطس/آب، ظهرت مديرة البرنامج سيندي ماكين وهي تصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو؛ وأصدر الاثنان بيانًا مشتركًا بعد اجتماع «بنّاء» حول حماية المدنيين من الجوع وسوء التغذية.
ومع أن WFP يُدخِل كميات كبيرة من الإمدادات إلى غزة، فإنه يفتقر إلى البنية التحتية للتوزيع التي بنتها الأونروا عبر عقود. وقد أفاد WFP أنه يستطيع الوصول إلى 1.6 مليون شخص في غزة التي يقطنها نحو 2.1 مليون.
«ماذا عن الباقين؟ من يُطعمهم؟» قال عامل إغاثة مُشيرًا إلى تكاليك. «إنها لا تطرح هذا السؤال. إذن فليجُع الباقون».
وقال المسؤول الأممي إن استبعاد الأونروا من قِبل تكاليك هو أحدث سبب لكون «العديد من الوكالات غير قادرة الآن على التوصيل».
ردّت تكاليك: «لقد شدّدنا مرارًا على أن الأونروا هي العمود الفقري لعمليات الأمم المتحدة في غزة… وقد دافعت باستمرار عن تمكين الأونروا من مواصلة عملياتها وتوفير ما يلزمها لإبقاء خدماتها جارية».
تقول ذا نيو هيومانيترين إنها لم تجد أي تصريحات علنية لتكاليك بهذا المعنى. ونفى المسؤول الإغاثي الكبير والمسؤول الأممي تصويرها للأمور. وقال أحدهما: «يدهشني أن أرى شخصًا يكذب بهذه الفجاجة أمام جبلٍ من الأدلة على العكس».
«إهانة لا تُقاس»
في منتصف 2025، وخلال الهجوم الإسرائيلي على دير البلح، حاولت تكاليك، بحسب عدة عاملين، استخدام موارد الأمم المتحدة لإدخال طعام للكلاب إلى غزة للكلاب الضالة قرب بيت ضيافتها، ولـإجلاء تلك الكلاب.
قال المسؤول الإغاثي الكبير: «لقد تفاوضت فعليًا مع كوغات لإدخال كميات كبيرة من طعام الكلاب إلى غزة في الوقت الذي مُنعت فيه الأمم المتحدة من إدخال الطعام لموظفينا… قد يبدو الأمر تافهًا، لكنه يعكس على نحوٍ واضح حساسيةً مفقودة تجاه سياق وجودها».
وفي أغسطس/آب، أفاد خبراء مجاعة مدعومون من الأمم المتحدة أن 39% من سكان غزة لا يأكلون أيامًا كاملة، وأن الأهالي يتخطّون وجباتهم بانتظام ليأكل أطفالهم. كما أُفيد بأن عاملين في الإغاثة والرعاية الصحية يُغمى عليهم من الجوع أثناء العمل.
ووصف عاملٌ حادثة طعام الكلاب بأنها «قضية رعايةٍ واجبة (Duty of Care) لزملائنا الفلسطينيين»:
«لدينا عاملون يؤدون وظائفهم بأفضل ما يستطيعون، لكننا لا نطعمهم».
وفي يوليو/تموز، أصدرت السلطات الإسرائيلية أوامر إخلاء لجزء من دير البلح حيث توجد منشآت أممية. وخلال الهجوم، تعرّض بيت ضيافةٍ لمنظمة الصحة العالمية لإطلاق نارٍ إسرائيلي ودهمٍ من جنود احتجزوا موظفين أمميين فلسطينيين وأجبروهم على خلع ملابسهم.
وقال عدة عاملين إنه خلال الهجوم، طلبت تكاليك استخدام مركبة أممية لنقل الكلاب من بيت الضيافة في دير البلح إلى موقع أممي آخر في خان يونس-لكن الموظفين رفضوا.
قالت تكاليك: «أرفض أي مزاعم بأني استخدمت موارد الأمم المتحدة لأغراض شخصية».
وسُجِّل سلوك آخر أثار احتكاكات إضافية مع زملاء فلسطينيين ومجتمع مدني.
ففي يونيو/حزيران، استضافت تكاليك إحاطةً لصحفيين غزيين نصحتهم فيها بتشجيع مجتمعاتهم على منع النهب، بحسب بيان أصدره لاحقًا الصحفيون وأُرسل إلى موظفين أمميين واطّلعت عليه ذا نيو هيومانيترين.
وقال البيان إن كلمتها المكتوبة سلفًا لم تذكر إسرائيل.
كتب الصحفيون: «لا يمكن مناقشة النهب دون التطرّق إلى جرائم الاحتلال… كلّنا جياع. فقدنا أفرادًا من ع